جامعة الجزيرة تناقش مستقبل الثروة الحيوانية وتدعو إلى إعادة بناء القطاع وتعزيز إسهامه في الأمن الغذائي
نظّمت جامعة الجزيرة، اليوم، بقاعة المؤتمرات الدولية بمجمع الرازي، المنتدى الدوري الخامس تحت عنوان «الثروة الحيوانية: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل»، برعاية مدير الجامعة البروفيسور صلاح الدين محمد العربي، وتشريف وزير الثروة الحيوانية والسمكية الاتحادي البروفيسور أحمد التجاني المنصوري، وممثل والي ولاية الجزيرة، وزيرة الإنتاج والموارد الاقتصادية الدكتورة عرفة محمود، وبمشاركة عدد من مديري الجامعات والأكاديميين والباحثين والمهتمين بالقطاع، إلى جانب عمداء الكليات ومديري المراكز ومنسوبي الجامعة.
واستهدف المنتدى تشخيص واقع قطاع الثروة الحيوانية، واستعراض التحديات التي تواجهه، واستشراف آفاق تطويره وإعادة تأهيله في مرحلة ما بعد الحرب، من خلال توظيف البحث العلمي والابتكار، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات الأكاديمية والجهات الحكومية والقطاع الخاص.
وأكد وزير الثروة الحيوانية والسمكية الاتحادي، البروفيسور أحمد التجاني المنصوري، أن الثروة الحيوانية تمثل ركيزة استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي، ومكافحة الفقر، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات، بما يعزز الاستقرار ويدعم الاقتصاد الوطني.
وأوضح أن السودان يمتلك ثروة حيوانية ضخمة وموارد طبيعية واسعة، إلا أن الاستفادة منها لا تزال دون مستوى الإمكانات المتاحة، الأمر الذي يستدعي تطوير القطاع ورفع إنتاجيته وتعظيم عوائده الاقتصادية والاجتماعية. وشدد على أهمية مكافحة تهريب الثروة الحيوانية، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تسجيل القطعان وتتبع حركتها وحماية الموارد الوطنية.
وأشار الوزير إلى أهمية تمكين الأستاذ الجامعي اقتصادياً بما يعزز قدرته على التفرغ للبحث العلمي وخدمة المجتمع، مستشهداً بتجربة إنشاء جمعية إنتاجية بالتعاون مع البنك الزراعي تستثمر نحو 300 فدان، مع التوجه لتوسيع التجربة لتشمل جامعة الجزيرة وجامعات أخرى.
من جانبه، أكد مدير جامعة الجزيرة، البروفيسور صلاح الدين محمد العربي، أهمية اختيار الثروة الحيوانية محوراً للمنتدى، بالنظر إلى دورها الحيوي في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز سبل كسب العيش، لا سيما في ظل ما خلّفته الحرب من دمار طال مختلف القطاعات الإنتاجية، بما فيها قطاع الثروة الحيوانية.
وأوضح أن المنتديات الدورية للجامعة تمثل منصة علمية لتبادل الخبرات ومناقشة القضايا ذات الأولوية، وصولاً إلى رؤى علمية وعملية تسهم في معالجة التحديات الراهنة ووضع الحلول اللازمة لإعادة تأهيل القطاعات المتضررة. وأعرب عن تقديره لمشاركة وزير الثروة الحيوانية والسمكية الاتحادي، مؤكداً أهمية تحويل مخرجات المنتدى إلى برامج عملية تدعم التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.
بدورها، أشادت وزيرة الإنتاج والموارد الاقتصادية بولاية الجزيرة، الدكتورة عرفة محمود، بمبادرة الجامعة وتنظيم المنتدى، مؤكدة أهمية قطاع الثروة الحيوانية في دعم الاقتصاد وتحقيق الأمن الغذائي. وأشارت إلى أن الحرب ضاعفت التحديات التي كانت تواجه تطوير القطاع، وألحقت أضراراً واسعة بمقوماته الإنتاجية، الأمر الذي يستدعي وضع خطط مدروسة لمعالجة الاختلالات واستعادة القدرات الإنتاجية.
وشهد المنتدى تقديم عدد من الأوراق العلمية التي تناولت واقع الثروة الحيوانية وتحدياتها وفرص تطويرها. وترأس جلساته الدكتور ياسر هلال الهاشمي وكيل جامعة الجزيرة، والأستاذ بكلية العلوم الزراعية.
واستعرضت الدكتورة أماني حسين، من وزارة الثروة الحيوانية والسمكية الاتحادية، في ورقتها بعنوان «مساهمة قطاع الثروة الحيوانية في تحقيق الأمن الغذائي في السودان: الواقع والتحديات وآفاق التطوير»، حجم الموارد الحيوانية في البلاد، مشيرة إلى أن السودان يمتلك نحو 113 مليون رأس من الماشية، إلى جانب 54 مليون طائر من الدواجن، وإنتاج سنوي من الأسماك يُقدّر بنحو 110 آلاف طن.
وأوضحت الورقة أن القطاع يمثل مصدراً للعيش لنحو 40% من السكان، غير أن الحرب منذ أبريل 2023م فاقمت التحديات التي تواجهه وأضعفت قدرته على الإسهام في تحقيق الأمن الغذائي. ودعت إلى الانتقال من التركيز على زيادة أعداد القطعان إلى تحسين إنتاجيتها من اللحوم والألبان والبيض، مع إنشاء نظام وطني لرصد مؤشرات البروتين الحيواني، وربط الإنتاج ببرامج التغذية المدرسية ودعم الأسر المتأثرة بالنزاع.
وفي محور التحسين الوراثي، قدم البروفيسور فيصل محمد الزبير، من جامعة الخرطوم، ورقة بعنوان «الرؤية المستقبلية للتحسين الوراثي لسلالات الأبقار السودانية»، دعا فيها إلى دراسة إدخال سلالة «جيرولاندو» البرازيلية ضمن برامج تطوير إنتاج الألبان، لما تتمتع به من إنتاجية جيدة وقدرة على التكيف مع الظروف المناخية الحارة والرطبة.
وأرجعت الورقة ضعف إنتاجية الأبقار المحلية إلى تحديات تتصل بالإدارة والبنية التحتية للتلقيح الاصطناعي، ونقص الكوادر المؤهلة والتمويل والسجلات الإنتاجية الدقيقة، مقترحة تنفيذ مشروع تجريبي لإدخال السلالة وإخضاعه للتقييم العلمي المستمر، مع التوسع التدريجي وفق النتائج الإنتاجية والجدوى الاقتصادية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص ومراكز البحوث.
من جهته، تناول البروفيسور قريب الله محمد العبيد، من جامعة الجزيرة، في ورقته «تعثر مشاريع الإنتاج الحيواني: الأسباب والحلول»، أسباب تعثر أربعة مشاريع بالولاية، تشمل حاضنة القصيرة للاستزراع السمكي، والمركز السوداني التركي للتلقيح الاصطناعي بالمناقل، وجمعية ألبان الجزيرة التعاونية، والدورة الخماسية بمشروع الجزيرة.
وأوضحت الورقة أن تعثر هذه المشاريع ارتبط بانقطاع الكهرباء والوقود، وضعف التمويل، والقصور في الوفاء بالالتزامات الرسمية، وغياب الإرشاد والكوادر الميدانية، إلى جانب رفع الدعم عن المدخلات، والآثار التي خلّفتها الحرب من تدمير ونهب للبنى التحتية.
وأوصت الورقة بتأمين الطاقة والمدخلات والحماية اللازمة، وتطوير الإدارة والتسويق، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص وجمعيات المنتجين، وتشكيل لجان متابعة مشتركة ترفع تقارير دورية لمعالجة المعوقات وتسريع استعادة النشاط الإنتاجي.
كما قدمت البروفيسور انتصار يوسف تركي، من المجلس الزراعي، ورقة بعنوان «الرؤية المستقبلية للإنتاج الحيواني عقب الحرب»، أكدت فيها أن مرحلة ما بعد الحرب تمثل فرصة لإعادة بناء القطاع على أسس علمية وإنتاجية أكثر كفاءة واستدامة.
وأبرزت الورقة ضرورة إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات البيطرية، وتطوير إنتاج الأعلاف، وتحسين السلالات والإدارة التناسلية، إلى جانب تعزيز التصنيع الحيواني وتطوير الأسواق وسلاسل القيمة والتمويل. كما دعت إلى توظيف التقنيات الحديثة والبحث العلمي والابتكار، وإنشاء مزارع متكاملة وحاضنات جامعية للمشروعات الإنتاجية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة.
وشدد المشاركون على أهمية تبني خطط استراتيجية متكاملة لإعادة تأهيل قطاع الثروة الحيوانية، ومعالجة فجوات الإنتاج، وتعزيز الاكتفاء الذاتي من المنتجات الحيوانية، بما يضمن توافر الغذاء، وتحسين فرص كسب العيش، ورفع مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
وأكد المنتدى، في ختام نقاشاته، أهمية الانتقال من تشخيص التحديات إلى تنفيذ حلول عملية تستند إلى البحث العلمي والتخطيط السليم والشراكات الفاعلة، بما يسهم في استعادة قدرات الإنتاج الحيواني، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم مسار التنمية المستدامة في السودان.
