جامعة الجزيرة تدعو إلى شراكة وطنية لإدارة النفايات وتطرح حلولاً علمية لتعزيز الاقتصاد الدائري والاستدامة البيئية
نظمت جامعة الجزيرة، اليوم، بقاعة المؤتمرات الدولية بمجمع الرازي، المنتدى الدوري الرابع تحت شعار “استدامة معالجة النفايات… الفرص والتحديات”، بتنظيم مشترك بين منتدى الجامعة ومركز الألياف والورق وإعادة التدوير بكلية هندسة وتكنولوجيا الصناعات، وبرعاية مدير الجامعة البروفيسور صلاح الدين محمد العربي، وبمشاركة واسعة من المسؤولين والأكاديميين والباحثين والمهتمين بالشأن البيئي.
ويأتي المنتدى في إطار جهود الجامعة لتسخير البحث العلمي في معالجة القضايا البيئية، واستعراض أحدث الممارسات والتقنيات في إدارة النفايات وإعادة التدوير، وبحث فرص تطوير هذا القطاع وتحدياته، بما يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز دور الجامعة في خدمة المجتمع.
وشهد المنتدى حضور والي ولاية الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم، وأعضاء حكومة الولاية، ووفداً رسمياً من ولاية القضارف، إلى جانب ممثلين للأجهزة النظامية والشرطة والبنوك والمصارف، ونائب مدير الجامعة، ووكيلها، وعمداء الكليات والعمادات والمعاهد، ومديري الإدارات، وعدد من الخبراء والباحثين والطلاب.
ودعا والي ولاية الجزيرة، الأستاذ الطاهر إبراهيم، إلى بناء شراكة فاعلة بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع لإرساء منظومة متكاملة لإدارة النفايات الصلبة والسائلة والطبية، مؤكداً أن الإدارة الرشيدة للنفايات تبدأ بنشر ثقافة الفرز من المصدر والتخلص الآمن من المخلفات، وصولاً إلى إعادة تدويرها والاستفادة منها اقتصادياً. كما أشاد بعودة جامعة الجزيرة إلى أداء رسالتها العلمية، مثمناً جهود إدارتها ومنسوبيها في خدمة المجتمع.
من جانبه، أكد مدير جامعة الجزيرة، البروفيسور صلاح الدين محمد العربي، أن الاستثمار في إدارة النفايات يمثل استثماراً في صحة الإنسان وحماية البيئة، مشيراً إلى أن تكلفة إهمال هذا الملف تفوق بكثير تكلفة معالجته، وداعياً إلى جعل إدارة النفايات ضمن الأولويات الوطنية، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات الأكاديمية والحكومية والقطاع الخاص لتطوير حلول علمية مستدامة.
واستعرض العربي عدداً من التجارب الإقليمية الرائدة، من بينها تجربة جامعة بحر دار الإثيوبية تحت شعار “From Trash to Cash”، وتجربة كينيا في إنتاج مواد بناء صديقة للبيئة من النفايات، داعياً إلى الاستفادة من هذه النماذج في تطوير مشروعات لإعادة تدوير المخلفات الزراعية وإنتاج مواد بناء مستدامة تلائم البيئة السودانية.
كما شدد على أهمية إشراك القطاع الخاص في الاستثمار في مشروعات إعادة التدوير، وتعزيز دور وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية في نشر ثقافة المحافظة على البيئة، معرباً عن تقديره لمشاركة وفد ولاية القضارف، ومؤكداً تطلع الجامعة إلى بناء شراكات مع مختلف الولايات لترسيخ مكانتها مركزاً وطنياً للخبرة في إدارة النفايات وإعادة التدوير.
من جهته، أوضح عميد كلية هندسة وتكنولوجيا الصناعات، الدكتور حافظ أحمد الطاهر، أن انعقاد المنتدى يجسد التزام الجامعة برسالتها في خدمة المجتمع وإيجاد حلول علمية للقضايا البيئية، مبيناً أن النفايات لم تعد مجرد تحدٍ بيئي، بل أصبحت مورداً اقتصادياً واعداً إذا ما أُحسن استثماره.
وأضاف أن مركز الألياف والورق وإعادة التدوير يمثل منصة متخصصة للبحث العلمي والابتكار والاستشارات، ويعمل على تعزيز الشراكات مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص لتطوير تقنيات حديثة لمعالجة النفايات وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة، مؤكداً أن المنتدى يستهدف الخروج بتوصيات عملية تسهم في تطوير منظومة وطنية مستدامة لإدارة النفايات.
وعلى الصعيد العلمي، شهد المنتدى تقديم خمس أوراق علمية متخصصة تناولت مختلف جوانب إدارة النفايات وإعادة التدوير والاقتصاد الدائري.
واستعرض البروفيسور فضل المولى عبد الله، الأستاذ بكلية هندسة وتكنولوجيا الصناعات، في الورقة الأولى بعنوان “تدوير النفايات… حقائق وأرقام وإمكانية التوطين في السودان”، مفهوم النفايات وتصنيفها بحسب مصادرها، موضحاً أن المخلفات البلاستيكية والإلكترونية تمثل أبرز التحديات البيئية، ومؤكداً أهمية تطبيق مراحل إعادة التدوير، بدءاً بالجمع والفرز، مروراً بالمعالجة والتحويل، وانتهاءً بالتصنيع، بما يهيئ لتوطين صناعة إعادة التدوير في السودان.
وفي الورقة الثانية بعنوان “إعادة تدوير المخلفات الزراعية واستخداماتها الصناعية كقيمة مضافة”، تناول الدكتور هارون عبد الرحمن محمد سعيد، الأستاذ بكلية هندسة وتكنولوجيا الصناعات، فرص استثمار المخلفات الزراعية في إنتاج منتجات صناعية ذات قيمة اقتصادية، مستعرضاً أحدث التطبيقات الصناعية، والتحديات التي تواجه هذا المجال، ودور الاقتصاد الدائري والتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي في تطوير إدارة النفايات الزراعية.
أما الدكتور بكري أحمد محمد بخيت، اختصاصي الصحة العامة بوزارة الصحة بولاية الجزيرة، فقد استعرض في ورقته “تجربة ولاية الجزيرة في معالجة النفايات” مفهوم الإدارة المتكاملة للنفايات والتحول نحو الاقتصاد الدائري، إلى جانب أحدث تقنيات الجمع والفرز الذكي، والمعالجة الحرارية لإنتاج الطاقة، وإعادة التدوير الكيميائي للبلاستيك. وأكد أن أفضل الممارسات العالمية تبدأ بالفرز من المصدر، مشيراً إلى أن تداعيات الحرب، وضعف البنية التحتية، ونقص الآليات، والسلوكيات السالبة، أسهمت في تراجع خدمات إدارة النفايات، داعياً إلى تعزيز الوعي الصحي والاعتماد على المعالجة العلمية للمخلفات.
كما استعرض الدكتور مصعب برير حاج أحمد، استشاري صحة البيئة بولاية القضارف، تجربة الولاية في مشروع “تحويل الأزمة إلى استدامة… القضارف أنظف مدينة”، موضحاً أن المشروع نجح في إنشاء منظومة متكاملة لمعالجة أكثر من (14) طناً من النفايات الطبية، رغم التحديات التي فرضتها الحرب والنزوح، مؤكداً أن نجاح التجربة استند إلى التخطيط، والقياس والتقييم، وبناء القدرات، وتكامل الأدوار بين المؤسسات، ومختتماً بالقول: “الإرادة السياسية مع التخطيط والاستقلالية هي معادلة النجاح”.
واختتم البروفيسور عمران عباس يوسف، الأستاذ بكلية الاقتصاد والتنمية الريفية، جلسات المنتدى بورقة بعنوان “اقتصاديات إعادة التدوير في السودان”، تناول فيها الأبعاد الاقتصادية والبيئية لإعادة التدوير، مؤكداً أن تحسين إدارة النفايات يمثل مدخلاً رئيساً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وداعياً إلى تبني سياسات تحد من إنتاج النفايات، وتعزز إعادة الاستخدام والتدوير، وترفع كفاءة إدارة الموارد، بما يدعم الاقتصاد الدائري والاقتصاد الوطني.
واختُتم المنتدى بالتأكيد على أن نجاح إدارة النفايات يتطلب تكامل الجهود بين الجامعات والوزارات والسلطات المحلية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، مع جعل البحث العلمي والابتكار الركيزة الأساسية لتحويل المخلفات إلى موارد اقتصادية تسهم في حماية البيئة وتعزيز التنمية المستدامة.
