صعدت به موجة عالية إلى سُدة الرئاسة.. الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”.. تكهنات ما وراء الظاهرة

صعدت به موجة عالية إلى سُدة الرئاسة.. الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”.. تكهنات ما وراء الظاهرة

تقرير/ راشد حامد عبد الله

اتجاهات السياسة الخارجبة لإدارة الرئيس “ترامب” وانعكاساتها على العالم الاسلامي، قضية أعيد طرحها بمقر معهد إسلام المعرفة بحنتوب في السادس من فبرايرtramp الجاري، عبر ندوة دُعي إليها الأستاذ الدكتور محمد عثمان السيد الذي رصد في حوالي ثمانِ مقالات نشرتها صحيفة الوطن البحرينية تحت عنوان: سباق الرئاسة الأمريكية 2016م، تفاصيل الحملة الانتخابية الساخنة التي تابعها العالم بأسره، وشهدت تنافساً حامياً جداً لدرجة صَعُب معها الحكم على من سيفوز بسباق الرئاسة الأمريكية، ورغم أن فرص هيلاري كلينتون كانت هي الأكبر في الفوز، إلا إنه لم يكن ممكناً القطع بهذا الأمر، ولدهشة العالم فقد فاز ترامب الذي يعبر عن ظاهرة يجب النظر إلى ما ورائها.

كان بروفيسور السيد قد درس الصحافة والإعلام بجامعة ميسوري، وقام بالتدريس في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو، وجامعة تكساس، وجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، ويعمل حالياً أستاذاً بجامعة البحرين قسم الإعلام، بجانب مركز الدراسات الأمريكية، ويعتبر مؤسساً ومديراً سابقاً للمركز الإعلامي بجامعة البحرين، وباحثاً متخصصاً في الشؤون الخارجية، والإعلام، والاتصال،  بالإضافة لمناهج التأصيل للدراسات الإعلامية والاتصال.

** تغيير مواقف

كثير من التكهنات برزت حول مسارات السياسة الخارجية في إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” التي لم يكتمل نسقها بعد نظراً لخلو بعض المناصب التي يمر مرشحوها بمرحلة تمحيص دقيق من الكونجرس الأمريكي، ولكن في الغالب الأعم فإن الرئيس في الولايات المتحدة دائماً ما يجد رغبته بإجازة من قدمهم لإدارته باعتبار أن التفويض الذي ناله يؤهله لاختيار الفريق الذي سيساعده في تنفيذ السياسة التي فاز على أساسها.

وبالعودة للحملة الانتخابية، واستقصائها، ودراسة الوعود، والسياسات التي قام بتقديمها “ترامب” أثناء الحملة الإنتخابية، فإن السياسيين- بحسب ما يردد الكثيرون- يعدون المجتمع الأمريكي بـ(الجنة)، غير أنهم سرعان ما يقصرون في التنفيذ، وقد ردد البعض: لا تخافوا مما يقوله ترامب في الحملة الانتخابية، لأنه كبقية الرؤساء الأمريكيين، حينما يدخل البيت الأبيض ويجد إكراهات الواقع، قطعاً سيغير مواقفه التي كان قد أعلنها في الحملة الانتخابية.

وتوصل علماء السياسة المتخصصون في دراسات الرئاسة، والحملات الإنتخابية الأمريكية، إلى أن المرشح ينفذ أكثر من 70% من وعوده، فباراك أوباما- على سبيل المثال- قد طبق 73% من وعوده وعلى رأسها فتح الحوار مع الأعداء. وقد قال في هذا الشأن: (إذا لم تكلِّم أعداءك فمع من تتكلم)، فالأصدقاء- بطبيعة الحال- لا يحتاجون لابتدار سياسة للتحدث معهم، وكان يقصد بذلك “إيران”.

وفي إدارته الثانية، ومع اكتساب الشجاعة، وتنامي الشعور بالاستقلالية، وجدت العديد من القرارت طريقها إلى السطح، مثل رفع الحظر عن السودان في أواخر الأيام، فخطوة مثل هذه لا تلقي عليه أي جزاءات، أو انتقادات لأنه قول في الوقت الضائع. وسبق لبروف السيد أن ذكر في مقالاته: لا تظنوا أن ترامب سيغير كثيراً بعد أن يصير رئيساً فهذا تفكير بالأماني على حد وصفه، فالعالم كله الآن قد وقف مشدوهاً، ونصفه وقف محتجاً على سياسات ترامب منذ الأسبوع الأول.

** قرارات رئاسية

كان ترامب قد أنفذ في أسبوعه الأول قراراً رئاسياً قضى بوقف اللاجئين، ومنع دخول حاملي جوازات سبعة بلدان- بينها السودان- إلى أمريكا، وهو ما قام قاضٍ فدرالي بنقضه مؤقتاً؛ فكل شيء هنالك مؤقت أو بمثابة شراء للوقت. وبالنسبة إليه فإن التنبؤ بما سيقوم به ترامب يبدو مستحيلاً، فالرجل يمضي في اتجاه نقض ما أقرته المؤسسة الأمريكية ومعها الدول الغربية كحلف شمال الأطلسي “النيتو” بنهاية الحرب العالمية الثانية التي لم تُنهك أمريكا على عكس الدول الأخرى نظراً لاقتصادها القوي؛ وقد بدأ في ذلك التوقيت ما يسمى بالقرن الأمريكي.

وبالرجوع للسياسة الأمريكية، فإنها قد بُنيت على ترتيبات عسكرية مثل النيتو، واقتصادية مثل الليبرالية الاقتصادية، ويريد ترامب أن ينقض كل ذلك استجابة لنداءات شعبوية، وفئات قليلة في المجتمع الأمريكي، وذلك بدليل أن من صوّت لترامب اثنان من كل (10) مسجلين للانتخاب وليس كل الشعب الأمريكي حيث تمثل هذه النسبة خُمس الناخبين.

ومن أولئك الناخبين مجموعة كبيرة تضررت من “العولمة”، أو تخلفت عنها لدوافع اقتصادية، وأحست بتهديد “بيولوجي” بالنسبة لوجودها كفئة بيضاء، فالأطفال دون سن الخامسة يمثلون 4:1 نظراً لازدياد الملونين بفعل الهجرات من أمريكا الجنوبية، ومختلف أنحاء العالم، بجانب ارتفاع نسبة المواليد وسط الملونين، وهذا يشكل تهديداً عرقياً، يضاف إليه التهديد الاقتصادي، فكثير من المصانع التي كان يعمل بها البِيِض قفلت أبوابها.

** ارتباك المشهد

وبالخروج البائن لترامب على المؤسسة الأمريكية، وتوطيد العلاقات مع روسياً، زاد المشهد الأمريكي ارتباكاً، فالرجل يريد عمل علاقات طبيعية مع روسيا، والتعاون معها في الحرب على الإرهاب، فروسيا عنده ليست بهذا السوء ما دعاه لإبداء رغبته في العمل مع بوتين، ورغم ذلك خرجت مندوبة أمريكا في مجلس الأمن بتصريحات مفادها: أن الاحتلال الروسي لجزيرة (القِرم) هو عمل يخالف القانون الدولي، سبقه حديث بأيام قلائل أن روسيا دولة صديقة، ونحن بصدد فتح صفحة جديدة معها!!.

إلا أن المؤسسة الأمريكية عادت وتسربت لترامب من النافذة  عبر نائبه (مايك بينس) وهو من الأعضاء الأساسيين في الحزب الجمهوري، ولديه مواقف ثابتة في العلاقات الدولية، بجانب الجنرال المتقاعد “جيمس ماتيس” وزير الأمن الداخلي رغم أن الدستور الأمريكي لا يسمح بأن يشغل عسكري هذا المنصب ولكن يبدو أن الأمر سيسير في طريق البحث عن استثناءات، وللرجلين مواقف مناهضة لروسيا، على عكس “ستيفن هادلي” مستشار الأمن القومي ما يرجح حدوث صراع بين هذين الجناحين.

وقد عرف ترامب بمواقفه الحزبية المتذبذبة فقد بدأ ديمقراطياً، ثم تحول لجمهوري، وما لبث أن عاد لديمقراطيته، قبل أن يعود من جديد إلى حزبه الجمهوري، وينتقل منه مجدداً إلى الحزب الديمقراطي، ليستقر به المقام أخيراً في الحزب الجمهوري، ما يؤكد أن الرجل ليس لديه قناعات أيديولوجية راسخة، والذي لا يكون أيديولوجيا في نظر بروفيسور السيد يكون براغماتياً يميل حيث تميل المصلحة.

** ثوابت ترامب  

ومما سبق تظهر مجموعة من النقاط المركزية، من بينها حبه للسلطويين من أمثال الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، والتركي “رجب طيب أردوغان”، وإحاطة نفسه بسياج من الجنرالات وهو امتداد لهذه النزعة، وتظهر تمثلات ذلك في بث القيم الأمريكية، والدفاع عنها، ونشرها، والترويج لها، ومحاسبة الأنظمة على مخالفتها، فأمريكا تجمع في سياستها الخارجية ما بين المصالح والقيم.

ويجنح ترامب في سياسته الخارجية إلى إعادة التفاوض وإلغاء الاتفاقيات التجارية، حيث ألغى الاتفاقية الأمريكية مع جنوب شرق آسيا مانحاً الصين فرصة ذهبية للتوقيع مع هذه الدول، ومن المتوقع أن يؤثر هذا الوضع على الخليج، فأمريكا لديها اتفاقيات تجارة حرة مع عدد من الدول بالخليج.

ويعتزم ترامب إعادة التفاوض في “النيتو” هذا الدرع الإستراتيجي الذي تجاوز عمره الـ(70) عاماً، وسرت حالة من الخوف في أوربا من انسحاب أمريكا من هذا الحلف، وإذا فعلت ذلك تكون قد نفذت إستراتيجية بوتين التي عمل عليها خلال العشر سنوات الماضية، فخطته الأساسية هي شرذمة حلف “النيتو” واستخلاص الدول التي خرجت من الإمبراطورية القديمة وإرجاعها إلى بيت الطاعة، وتهديد تلك التي تفكر في الإنضمام لهذا الحلف، فهوس ترامب بإعادة التفاوض حول هذه الاتفاقيات قد يبعث إشارات خاطئة.

وتضاف إلى ثوابت ترامب الموقف المناهض للمهاجرين بجميع أنواعهم، ومحاربة الإرهاب والخوف من الآخر و”شيطنته” وذلك بجعل الإرهاب خطراً إستراتيجياً على أمريكا، وتفعيل الحظر على دخول المسلمين حيث عُدِّلت هذه العبارة لاحقاً إلى: (المناطق التي يمكن أن يأتي منها الإرهاب). وتنبعث المخاوف هنا من تأثير اليمين المسيحي المتطرف على سياسة ترامب الخارجية في ظل عداء صريح للإسلام تحاصره مصالح إستراتيجية.

** العقوبات الاقتصادية

إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بدءاً بممثلها وزير الخارجية “ركس تيلرسون” ظلت تقف ضد مبدأ فرض العقوبات الاقتصادية، فوزير الخارجية الأمريكية وطوال تاريخه كان ضد العقوبات الاقتصادية، وترامب نفسه يقف ضد استخدامها بهذه الصورة لأنها تؤذي الشركات الأمريكية من ناحية اقتصادية وتجارية بحتة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح على الساحة السياسية، هل سيقوم “ترامب” الذي صعدت به موجه عالية إلى سدة الرئاسة الأمريكية، بنقض ما أقره الرئيس السابق باراك أوباما من رفع الحظر الاقتصادي على السودان؟

ويتوقع بروفيسور محمد عثمان السيد، أن يشجع تعاون السودان المثمر مع الولايات المتحدة في وقف النشاطات الإرهابية وتبادل المعلومات، بجانب موقف البلاد من إيران وقطعها للعلاقات الدبلوماسية معها، في المحافظة على قرار رفع الحظر، غير أنه عاد وأبدى مخاوفه من اليمين المسيحي داخل إدارة ترامب والذي يكن عداءً تاريخياً للسودان وهو ما قد يقلب المعادلة.