الإعلام والإسلام.. مدارسات في جدل المفهوم والرؤى والمنهجيات

الإعلام والإسلام.. مدارسات في جدل المفهوم والرؤى والمنهجيات

تقرير/ راشد حامد عبد الله

تثار مسألة العلاقة بين الاسلام والاعلام من خلال اندراجها ضمن اهتمامات المؤسسات العلمية[1] أو عبرتغطية وسائل الاعلام للقضايا الاسلامية، ويتطلب أي اتجاه للتفكيك أو التقعيد المنهجي التنبيه إلى نقطة هامة وضرورية وهي أن الجدل الفكري والمعرفي، والنقاش حول الأطر النظرية، والمنهجية، هي بالضرورة بنية مكونة من وحدات مترابطة تبدأ بالمفهوم، وتتعالى إلى القواعد والعلاقات، ثم النظريات، وتستمر إلى مستوى النماذج (البردايم)، وصولاً إلى الرؤى والمنهجيات الكلية، حيث يعتبر المفهوم هو: (المكوِّن الأولي للتفكير النظري).  وقد كان الجدل حول المفاهيم والرؤى والمنهجيات في جانب العلاقة ما بين الإسلام والإعلام محوراً لمدارسات قدمها د. محمد بابكر العوض عميد معهد إسلام المعرفة (إمام) التابع لجامعة الجزيرة في الحلقة الثانية لمنبر مجموعة الإحياء والتجديد.

واستلزم الخوض في لجة هذا الجدل، التقديم بمقدمات- رآها د.العوض ضرورية- أولها التمييز بين الجوانب الفكرية، والثقافية، والمنهجية، وهو تمييز يتجانس مع التفكير العلمي، ويناسب طريقة عمل العقل الإنساني، والتفكير المقنن وفقاً لنظم منهجية معلومة.

 لمفهومي الإعلام والإسلام دلالة متحركة تتغير كلما تم الانتقال من سياق إلى آخر، وفيما يبدو فليس هنالك رؤية، أو نظرية، أو مفهوم، أو منهج يمكن أن يُخرج هذه الأطر عن مسارها.

والدين كما أشار المتحدث هو مفهوم معياري، والعلاقة التي تربط الإسلام كنظام للمعتقدات، والإعلام كنظام للتواصل، هي في الاصل علاقة موضوعية غير عضوية، وعند محاولة التعريف وإيجاد مفاهيم لاستيعاب الظاهرة المحددة، يجب أن يكون هنالك نوع من التداخل، فثمة اختلاف بين نظامي المعتقدات والتواصل، بينما هنالك علاقة بين الجانب التحسيني والبعد القيمي.

مفاهيم وافدة:

لقد وفدت مفاهيم الإعلام، والاتصال، والتواصل، والمعلومات، والأساليب المستخدمة الآن، من خارج النسق الذي ننتمي إليه، إذ وفدت مع نظام الدولة الحديثة وينبغي معرفة أصل المفهوم الوارد إلينا من التجربة الغربية عبر المسارين الأنجلو أمريكي، والفرنسي. وقد تدخل المفاهيم الوافدة أحياناً في باب الضرورة نظراً لوجود أولويات للنظام العام للدولة، والمجتمع، والحضارة، أو الثقافة المعينة، وفي الغالب تكون ضرورة تنظيمية أكثر منها عقدية، وثقافية، وفكرية، وإذا لم يكن هنالك نظام وعي لمتابعة هذه الأشياء، وإدارتها، ينتهي الأمر بحدوث إنجرافات.

رأينا كيف عمدت الخلافة الإسلامية في عهد الفاروق عمر، إلى استيراد أنظمة خارجية من بينها نظام البريد الذي هو ذو صلة وثيقة بالاتصال، غير أن هذا الأمر تم في ظل نظام اجتماعي متماسك، ورباني أبعد ما يكون عن الأهواء، ويختلف الواقع الآن تماماً في ظل مجتمعات ذات طبيعة تعددية وأنظمة متشاكسة.

تنميط الهوية:

ومع تكاثر وسائل الاتصال، انحسرت كثيراً عملية التواصل، حيث يعتبر الاتصال هو المفهوم المركزي في النموذج الإعلامي السائد، بينما يقع التواصل في الجانب الأقل أهمية نظراً لعلاقته بالنظام الفلسفي، ويوضع الإنسان موضع القوة حينما تكون له استقلالية ذاتية، فالنظام الليبرالي المكتمل تكون فيه الوحدة الأساسية هي الشخص نفسه، وأفضل تطبيق لهذا النظام، هو النظام الاتصالي.

ويشير العوض في هذا السياق إلى أن الفردانية هي الأساس الذي قام عليه مفهوم الثقافة الجماهيرية، أو الإعلام الجماهيري، والجمهور هنا هو كتلة غير متجانسة من الأفراد، ومكمن الخطورة في هذا الجانب هو ما يعرف بالتفكير النمطي القائم على إزالة كل شيء من شأنه التفريق بين الناس، فعندما تتم عملية تنميط، أو تحييد الهوية كاملة وصولاً إلى اللاهوية، يصبح أي شيء عادي من واقع أن الإنسان أصبح جزءاً من الكتلة التي تجرفه وتسيره،  وهذه الحالة تتركز في النمط الجماهيري للإعلام.

          وتتجلى قوة الخطاب الجماهيري في قدرته على شد أكبر قدر من الاتباع، بقوى غير مدركة غالباً؛ فأهل الإعلام في مقاربات راشد الغنوشي بين النظام الإسلامي والحياة المعاصرة، هم مثل سحرة فرعون باعتبار أن الإعلام يقوم بدور السحر في التعامل. وسحر البيان في ذلك الوقت، كان يحمل إشارة مباشرة للإعلام السائد في زمنه، أما النظام الإعلامي الحالي فيعمل على المخيلة أكثر من الوعي والعقل.

الإسلاموفوبيا:

ومن المفاهيم الجامعة بين الإعلام والإسلام، مفهوم شاع استخدامه في نهاية القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، وهو مفهوم يجسد حقيقة تأزم العلاقة بين الإعلام والإسلام، وتزيد حالة هذا التأزم كلما كان الإسلام هو موضوع تغطية الإعلام، ويتولد عن هذا التماس مفهوم إشكالي جديد يصف حالة تعيشها وسائل الإعلام الغربية سُميت بـ”الإسلامفوبيا” وهي حالة خوف مرضي من الإسلام. ويعتبر د. محمد بابكر هذه الحالة واحدة من نواتج طريقة وسائل الاتصال في تغطية الشأن الإسلامي، حيث يُعرض الإسلام كخطر يواجه الثقافة، والمجتمع، والحضارة الغربية، الوضع الذبي بدأ بعض التهكم منه الناشطون المسلمون في وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض القنوات الفضائية من خوف العالم الغربي من الرموز الشكلية للإنسان المسلم ذو اللحية الطويلة، والثياب القصيرة، عندما يلقى احد هؤلاء بحقيبة في الشارع يهرب المارة بينما لو تنكر ذات الشخص في زي بابانويل والقى بذات الحقيبة فسيتبارى المارة في الحصول على محتوياتها.

ويعبر الإعلام الغربي عن النظام الاتصالي الغربي الذي له القدرة على تحقيق الفاعلية، فيما يذهب نظام الاتصال الذي ولّده الإسلام في اتجاه مختلف تماماً، وثمة إشكال في عدم القدرة على إيجاد تمثلات إعلامية تحوّل المحتوى الاسلامي إلى نظام وظيفي، ومع ذلك فهو قد أوجد نظماً تواصلية فرعية راسخة ، وتشمل وصل في القرآن الاصلاة والصلة والاتصال وهي تعبيرات عن حالة تواصل شامل مع الذات (الصلاة=الدعاء) والاخر الجمعي و(غير الذات) بدلالاته الغيبية والوجودية، وتشير الصلة إلى الفاعلية الاجتماعية الداعمة لإصلاح المجتمع وإصلاحيته “فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم”.

سنلاحظ ان الصلة وأشكال التواصل الاجتماعي في النظام الغربي ليست بذات العمق والتكييف في علاقتها علاقة بالنظام الإعلامي، فكلما توسعت شبكات الاتصال التقني وكثرت أجهزة النظام الاتصالي، كلما قل التواصل داخل المجتمع، ويتطلب الوضع في الجانب الإسلامي الفاعلية والقدرة على التأثير لتجنيب الإسلام الصورة المصنوعة، والمشوهة التي تعرضها وسائل الإعلام غير الإسلامية.

تنميط الدعوة:

ويأتي مفهوم الدعوة في الجانب المقابل للتوظيف، غير أن الاستخدام الأيديولوجي له من ناحية، وسوء الفهم الديني له من ناحية أخرى، قد أفضى إلى تنميط المفهوم وحصر دلالته وحصر فاعليته في جانب طقوسي لا يتعدى خطبة الجمعة، والآذان، والشعائر.  ويؤكد العوض أن الدعوة بمفهومها القرآني لها دلالة أشمل من الجوانب الشعائرية واعم من التعريفات القاصرة لها في حدود دعوة الناس للدخول للإسلام.

والدعوة كما تبرزها تحليلات متأنية من الآخر مثل تلك التي قدمها المستشرق “توماس ارنلوند” هي ظاهرة إنسانية متفردة ليس لها نظير في الدعوات الدينية الأخرى.

وبالنسبة لرؤية المجتمع عن الإسلام والإعلام فيجعلها العوض على قسمين مشاهدة، وعرض خاضع لحكم النظام، والرؤية هنا وظيفية تحكمها أهداف ذات طابع نفعي به جانب قيمي، أما النظام الإعلامي الإسلامي، والنظام الاتصالي في القرآن الكريم، فالرؤية فيهما محكومة في الأساس بالبعد المقاصدي أي ما وراء الفعل الاتصالي.

والاتصال سلوك فعلي يتمثل في إرسال رسالة إعلامية في اتجاه هدف معلن منذ البداية، على عكس فلسفة النظام الجماهيري الذي يطلق الرسائل بصورة عشوائية، فالرؤية الاتصالية في النظام الإسلامي تستوعب الإنسان أولاً.

ومن المؤسف أن معظم نظريات الاتصال الموضوعة، لا تجد بينها نظرية استطاعت تجاوز التصورات العادية الموجودة في عقلية الإنسان المسلم البسيط، فيما تقسم كثير من كتب الدعوة على أركان العملية الاتصالية من داعٍ، ومدعو، ورسالة، ووسيلة، وغيرها وتعتبرها عملية وتُسقط اتصال القيمة، وتركز على التركيب الذي يصب في الإنسان ذو البعد الواحد، ويقطع العوض بأن الدعوة هي مفهوم ديني غير قابل للتفكيك، وينبغي السير بالمفاهيم الدينية في اتجاه توحيدي يتعامل مع الإنسان ككل شامل.

[1] مثل الرابطة الدولية لعلوم الاتصال التي تتضمن انشطتها مجموعة (الاسلام والاعلام)