العيد القومي (53) للشجرة.. اهتمام بتعزيز مستويات الشراكة وإنشاء أجيال خلاقة

العيد القومي (53) للشجرة.. اهتمام بتعزيز مستويات الشراكة وإنشاء أجيال خلاقة

تقرير/ راشد حامد عبد الله

يشكل التغير المناخي، والزحف الصحراوي، تهديداً متفاقماً على الغطاء الغابي والنباتي والأحزمة الخضراء، والتنوع الإحيائي الآخذ في الاضمحلال وذلك من واقع تراجع الغطاء _DSC0101الغابي المقدر بنسبة 40% من مساحة السودان في العام 1956م، إلي 10% في العام 2012م بفعل الإنسان الذي أفسد البيئة وزاد من رقعة التصحر.

وأحدث هذا الانحسار المضطرد في الغطاء الغابي، موجة من ردود الأفعال الرسمية والشعبية والمواقف المطالبة بعودة الإنسان للمنظومة البيئية الصحيحة، واستهدافه بحملات توعية تدفع به نحو اعتناق ثقافة التشجير والحفاظ على البيئة والغابات.

ووضعت مظاهر التصحر- الباعثة على القلق- الجهات الرسمية تحت ضغط إيجاد السبل الكفيلة بمعالجة المياه العذبة، ومياه الصرف الصحي والاستفادة منها في ري القطاع الغابي.

وأقر السودان احتفالاً سنوياً قومياً للشجرة بدأ كعيد طوعي بكردفان في العام 1963م تولى طرحه الصحفي الفاتح النور.

وبالنظر للعيد القومي الثالث والخمسين للشجرة الذي احتضنته غابة (بانكيو)- شمال أبوحراز- في احتفائية بدت مختلفة هذه المرة لتزامنها مع احتفال كلية علوم وتكنولوجيا الغابات جامعة الجزيرة باستقبال طلاب الدفعة الأولى اعترافاً بعلو كعبها في وتفردها بين نظيراتها، نجد أنه جاء موجهاً لتعميق احترام الشجرة في نفوس الطلاب بغرس ورعاية وحماية الشجرة من القطع والإزالة، وإضافة القيمة التصنيعية.

ووجد برنامج الاحتفال الذي أُفرِدت له رقعة زراعية طبيعية كأساس لتنشئة جيل خلاق ومعتز بأمه الشجرة، الدعم والسند من مختلف مكونات هذه الشراكة التي جمعت بين جامعة الجزيرة ممثلة في كلية علوم وتكنولوجيا الغابات، والهيئة القومية للغابات على المستويين الاتحادي والولائي، بجانب الداعم الفاعل والرئيس وزارة الزراعة والموارد الطبيعية، وشركاء أُخر من الحياة البرية، وأبحاث الغابات بهيئة البحوث الزراعية، والمجلس التشريعي.

** لؤلؤة جامعات السودان

وزير الزراعة والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية بولاية الجزيرة الذي وصف جامعة الجزيرة بأنها لؤلؤة جامعات السودان، والعالمين العربي والإفريقي، حيا ما تبذله هذه الجامعة _DSC0197من مجهودات، وامتدت تحاياه لتشمل الهيئة القومية للغابات بالولاية وما تقدمه من عطاء وافر ومقدر في سبيل تأمين مسيرة الغابات كإحدى الموارد المهمة، والحيوية، والضرورية، والاقتصادية.

وتؤمن وزارة الزراعة الولائية بحسب الوزير على كل البرامج التي تضعها الهيئة على مستوى الولاية، وتؤكد استعدادها لتعزيز مستويات التنسيق والتعاون المشترك في مختلف البرامج ومن بينها تثبيت الكربون، والحزام الشجري حيث تعتزم الوزارة بحث طرق عمل حزام شجري داخل المشاريع المروية، وتطوير المنظومة الغابية، يأتي ذلك في قت تمتد فيه أوجه الشراكة مع مسؤولي الحياة البرية في برنامج تنمية الموارد المستدامة.

وتبقى وزارة الزراعة الولائية مدينة لجامعة الجزيرة لما ظلت تقوم به من أدوار في صناعة المعرفة، وإشاعة الاستقرار وسط الناس، وتقديم الاستشارات للقطاع الزراعي في كثير من المناشط التي تعين على زيادة الإنتاجية، بجانب دورها الذي وصفه د. سيف الدين بالمتميز في مشروع الجزيرة أحد أكبر المشاريع المروية في السودان، والشراكات التي ظلت تقيمها مع مختلف الفعاليات في القطاع الزراعي وتطويره.

** تقديم خدمة حقيقية للمجتمع

مبادرة الأب الروحي للغابات د. حسب الرسول فضل المولى عميد كلية علوم وتكنولوجيا الغابات التي تقدم بها لبروفيسور محمود وراق عمر مدير جامعة الجزيرة بشأن ما تم _DSC0137من تنسيق مع الهيئة القومية للغابات ليكون استقبال الدفعة الجديدة من طلاب الكلية في غابة (بانكيو) وجدت التحية من مدير الجامعة لرمزيتها العميقة، وما توفره من بيئة صالحة للتدريب.

وكان العنوان الأبرز لهذه الشراكة بحسب إشارات بروفيسور وراق، هو استعانة كلية علوم وتكنولوجيا الغابات في خطوات إنشائها الأولى بالهيئة القومية للغابات للمشاركة في وضع المنهج باعتبار أن ذلك هو ديدن الجامعة في العمل مع الأجهزة المعنية لتقديم خدمة حقيقية للمجتمع.

وامتدح بروفيسور وراق جهود د. حسب الرسول القادم للجامعة من هيئة بحوث الغابات، في تشجير مجمعات أبو حراز، والنشيشيبة، وحنتوب، ووضع تصور كلية علوم وتكنولوجيا الغابات استغرق نحو عامين، بجانب جهوده التي امتدت لنحو عام مع مجموعة خبراء لوضع منهج للكلية.

** رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد

الشراكة التي جمعت بين جامعة الجزيرة، ووزارة الزراعة الولائية، والهيئة القومية للغابات في احتفائية صادفت التاسع عشر من ديسمبر، بدت في نظر نائب مدير الهيئة_DSC0151 القومية للغابات عبد الحي محمد شريف، كإحدى الخيارات الموفقة للرمزية الوطنية، ولما شكله المكان من نُقلة غير مسبوقة.

ولم يتردد شريف في التصريح بأنه من أحدى معجبي جامعة الجزيرة لما عرفت به من تميز، وقد أعاد إليه الاحتفال بالدفعة الأولى لكلية علوم وتكنولوجيا الغابات، ذكريات التحاقه بالدفعة الأولى زراعة بجامعة الخرطوم التي تخرج فيها في العام 1979م، ويرى في ذلك ميزة خاصة رغم اختلاف دوافع الالتحاق، راجياً أن يكون مكان الاحتفال قد أضفى بعداً جديداً ومميزاً في نفوس الطلاب يُعلي من قيمة هذا المجال في نظرهم.

وسارع نائب مدير الهيئة القومية للغابات لإعلان الرعاية المعلنة من قبل الهيئة الولائية لطلاب الدفعة الأولى بكلية علوم وتكنولوجيا الغابات، مرسلاً بعض الإشارات حول اقتصاديات الغابات التي تقع خارج المنظومة الاقتصادية المعروفة، فما لا يقل عن 30% من اقتصاد البلاد يدور خارج المنظومة الاقتصادية مستشهداً بقوله: (في كم بنبر، وبرش، وطاقية، وعكاز، وزريبة، وقطية، وراكوبة) وكل ذلك خارج الحسابات الاقتصادية ولكنه يصب مباشرة في حياة الناس.

ويراهن عبد الحي على أن الغابات يمكن أن تكون أداة فعالة لرفع العقوبات الاقتصادية عن السودان لإسهامها في امتصاص الكربون في ظل ما يتردد في العالم من حديث حول التغيرات المناخية.

** إضافة القيمة للغابات

الرقعة التي احتضنت الاحتفال بالعيد (53) للشجرة واستقبال الدفعة الأولى من طلاب كلية علوم وتكنولوجيا الغابات الذين انصرف إليهم حديث د. حسب الرسول فضل _DSC0139المولى عميد الكلية، أعطت مؤشرات بأن هنالك بيئة أخرى يتعلم منها الطلاب التواؤم مع الحياة، ويرتبطون بها وجدانياً لما في هذا الأمر من المعاني الأخلاقية، والتربوية، والمهنية، والدينية.

وبإضافة كلمة (تكنولوجيا) تتفرد هذه الكلية عن نظيراتها في السودان، ليتحول التعامل مع الشجرة كمصدر للحطب والطاقة، والعلف، والترويح، والصناعات الصغيرة، إلى مكوِّن له قيمة إضافية عبر التصنيع الذي يدخل فيه الورق، واللب، والحبيبات، والعصائر، وغيرها من الصناعات، ويبرز ذلك كأحد التحديات التي تنتظر هذه الدفعة التي يعول عليها في تحقيق القيمة المضافة للغابات والمنتجات الغابية، والانتقال بها إلى آفاق أرحب.

وعظمت مشاركة الهيئة القومية للغابات، ووزارة الزراعة الولائية، في الاحتفال بالدفعة الأولى، وعيد الشجرة رقم (53) من شأن الشجرة، وبات هنالك فهم واضح بأنه لا فكاك من التعاون بين الإدارات والمؤسسات المعنية بالغابات ليكون هذا الارتباط جزءاً أصيلاً من تأمين مستقبل هؤلاء الطلاب.

** المحافظة على مورد الغابات

الاحتفال بالعيد (53) للشجرة كان قد تأجل عن موعده الراتب في أغسطس، انتظاراً للاحتفال بهذه الدفعة من الغابيين الجدد، وبدت المهندسة إيمان عدوي مدير غابات_DSC0134 ولاية الجزيرة أكثر سعادة بإنشاء كلية للغابات بهذه الجامعة العملاقة على حد تعبيرها، وراهنت على أن طلاب هذه الكلية سيكونون على قدر عالي من التميز يشكل دعماً حقيقياً للغابات في السودان.

وقالت عدوي إن الشراكة التي تحققت مع جامعة الجزيرة عبر هذا الاحتفال نحن نعتز بها جداً، ونتمنى أن تكون بدايات لشراكات قوية مع الجامعة في مجالات الاستثمار الغابي، ورفع قدرات العاملين بهذا القطاع. وقد درجت الهيئة الولائية للغابات من خلال الاحتفال بعيد الشجرة، على تحقيق شراكات مع العديد من الجهات من بينها الخدمة الوطنية، والنشاط الطلابي، والشرطة، والمؤسسات الحكومية.

وأكدت عدوي مسؤوليتها تجاه السودان وجعله أكثر اخضراراً، والمحافظة على مورد الغابات، والتأسيس لشراكات فاعلة مع المجتمع خدمة لقضايا الغابات وبقاءها، معلنة رعايتها لطلاب الدفعة الأولى بكلية علوم وتكنولوجيا الغابات.

** استراتيجات للنهوض بالموارد الطبيعية

وكشفت السلطات- في وقت سابق- عن نيتها عمل إستراتيجية قومية شاملة للنهوض بهذه الموارد الطبيعية المتجددة، واستنهاض همم منظمات المجتمع المدني،_DSC0128 والقطاعات الأهلية والشعبية، وطلاب الخدمة الوطنية، والقوات النظامية، للعمل في هذا المشروع الوطني القومي المعول عليه في محاربة الزحف الصحراوي، والتصحر، ومحاربة البطالة، ومكافحة الفقر، وتحقيق أهداف الألفية الثالثة، والمشاركة الشعبية والمجتمعية في حماية الغابات.

وتعكف على دراسة تنفيذ مشروع الحزام الأخضر الإفريقي العظيم الممتد من داكار وحتى جيبوتي، حيث ويستأثر السودان بالنصيب الأكبر من هذا السياج الأخضر المقرر تنفيذه بتمويل من البنك الدولي.

 وستنعم ولاية الجزيرة بأطول مرحلة من مراحل المشروع المقترح أن يتضمن مدن، وقرى، ومحاصيل غابية وزراعية، ومدارس، ومستشفيات، ومساكن تؤمن استقرار المنتج وتجعل من هذه الأحزمة الخضراء مناطق جذب اقتصادية.

وعوداً على ما سبق فإن اللقاء في رحاب عيد الشجرة والغابات ركيزة الموارد الطبيعية في السودان بما تنطوي عليه من تعدد وتنوع المنافع البيئية والاقتصادية والاجتماعية، قد جاء معبراً عن مدى الاهتمام المتعاظم بالسياسات والإستراتيجيات التنموية القائمة على صون الموارد الطبيعية عامة  في السودان، والمتجددة منها خاصة، والغابات على وجه أخص.