تدخلات علمية أولية للتقصي عن حقيقة تأثير القطن المحور على الحيوان ومنتجاته

تدخلات علمية أولية للتقصي عن حقيقة تأثير القطن المحور على الحيوان ومنتجاته

الإنتاجية العالية للقطن المحور وراثياً، وعائدة المجزي، جذبت إليه الكثير من المزارعين، وبدأت مساحاته تشهد نمواً مضطرداً منذ تاريخ بداية زراعته بالبلاد قبل (6) أعوام، وتتجه الدولة حالياً لزراعة ما بين 600-700 ألف فدان من القطن المحوّر، يأتي ذلك في وقت أعلنت فيه الصين عن مشروعها “حديقة النخيل” الذي يتضمن في محوره الزراعي، زراعة مليون فدان قطن محوّر بالسودان، بينها (450) ألف فدان بمشروع الجزيرة وبذلك أصبح القطن المحوّر وراثياً واقعاً في السودان.

وتحيط بهذه القضية الكثير من الأسئلة الحائرة طرحها مربّون وباحثون هل السودان في حاجة لهذا النوع من القطن؟ ولماذا لم تقتصر زراعته في مساحات محدودة تُسهل من عملية التحكم فيه ومعرفة ما يصحب زراعته من تأثير على صحة الإنسان، والحيوان، والنظام البيئي، وهل تأتي الأسعار المجزية لهذا المحصول بمثابة الإغراء للتوسع في الزراعة وإحداث آثار سالبة تخرِّج البلاد عن دائرة الإنتاج العالمي للقطن بالنظر إلى مرور ثلاثة مواسم دون تصدير.

المجلس التنفيذي للموارد والاستثمار الذي تولى رئاسته البروفيسور الزبير بشير طه والي الجزيرة الأسبق، كان قد استمع لتقرير حول مخاطر القطن المحور وراثياً قدمته الباحثة بالمعهد القومي لبحوث تصنيع الحبوب الزيتية (نوبري) سماح عبد الرحمن محمد، حيث ووجه المجلس بتوفير الإسناد المالي والفني لإجراء دراسات عميقة ودقيقة حول مخاطر القطن المحور وراثياً.

وتعكف مجموعة من الباحثين بجامعة الجزيرة، على إجراء تدخلات علمية أولية للتقصي عن مدى تأثير القطن المحور وراثياً على صحة الحيوان، وجودة منتجاته من ألبان ولحوم، حيث جرى الكشف خلال “السمنار” الذي أقيم بقاعة معهد (نوبري) حول هذه القضية، عن جانب من النتائج التي تم التوصل إليها في هذا الشأن، وقد شارك في هذه الحلقة النقاشية خبراء ومختصون دعماً لجهود التوصل لإجابة شافية تتقرر بموجبها عملية استمرار الزراعة أو إيقافها.

وخلُصت نتائج دراسات علمية لعينات من اللبن والعلف خضعت لتحليل كيميائي بمعامل الجامعة، لوجود تأثير للقطن المحور وراثياً على إنتاج اللبن وتخثره، ولونه، وطعمه، وصحة الحيوان، وأظهرت أمراضاً كالإسهالات، والنزلات، والمخاض، والانتفاخ، وكانت الأبقار والأغنام من بين أكثر الحيوانات تأثراً بتناول مخلفات القطن المحور وراثياً.

كما أظهرت الدراسة في جانب خصائص العلف، أن القطن المحور أقل من ناحية الإنتاج والكمية المتناولة يومياً، والبروتين، بجانب قلة في الهضم للمواد الجافة والزيادة العالية في هضم البروتين، وقلة نسبة المياه في اللبن، وزيادة نسبة البروتين خلال فترة الرعي مقارنة بالقطن غير المحور.

ويبرز القطن المحور وراثياً كقضية شائكة وعلى درجة عالية من التعقيد، ما حدا بالباحثين ومن بينهم بروفيسور نبيل حامد للتشديد على ضرورة تقييم المخاطر ومنع إدخال أي منتج للبلاد دون إخضاعه لتقييم المخاطر، وقياس مدى تأثيره على الإنسان، بجانب وضع قانون للسلامة الإحيائية.

فيما أشار بروفيسور محمداني اختصاصي علم الأمراض لأهمية معرفة مدى تداول زيت بذرة القطن المحور وراثياً المتعارف عليه بالغلغل ودراسة مكوناته ومن بينها ملح اليود (الايودين) نظراً لارتباطه بالغدة الدرقية التي تشهد نمواً مضطرداً في معدل الإصابة وسط مواطني الجزيرة.

وشدد عدد من الخبراء على ضرورة معرفة وجود البروتين في مخالفات الحيوان وقياس تأثيراته على التربة، والضبط الجيد للمحصول، ونبه البعض إلى حدوث خلط وراثي ناتج عن انتقال حبوب اللقاح بواسطة النحل، بجانب عدم نقاء الأصناف المزروعة، ووجود مشاكل في جودة المحصول من حيث الشعْرة وقلة الزيت، علاوة على تراجع الإنتاجية السنوية للمحصول.

وأكد باحثون في مجال السميات أنه رغم مرور سنوات على زراعة هذا المحصول، إلا أن الأمر لا يمنع الاستمرار في البحث العلمي للعمل على إيقاف الزراعة إذا ثبت أن هنالك تأثير سالب أو ضرر يلحق بالإنسان، أو الحيوان، أو البيئة، منوهين إلى أن هذا المحصول ينتج نوعاً من البروتين السام للحشرات، ولكنه أدى إلى ظهور مشاكل أخرى لم تكن معروفة في القطن ما يتطلب إجراء دراسة متعمقة لهذا البروتين في الأطوار المختلفة للمحصول.

وفي ظل الخروج بمؤشرات تثبت أن للقطن المحور وراثياً نوع من التأثير السالب على المنتوجات الغذائية، وصحة حيوانات تظل لصيقة بالإنسان، إلا أن الأمر ما زال يتطلب الإمساك بصلب المشكلة، وتقييم المخاطر وصولاً إلى فتوى علمية واضحة معضدة بالدليل والبرهان حول الاستمرار في زراعة هذا المحصول وتطوير التجربة، أو منع زراعته بصورة نهائية.